محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي

280

المجموع اللفيف

وهمذان وغيرها من تلك النواحي ، وإيثارهم التوبة ، وإظهارهم الرهبة ، وسقوط دواعيهم ، اقتداء بواليهم ، إذ شملهم العدل والإنصاف ، وجنّبهم الظلم والاعتساف ، لتستبدل بحاضر حلاوة [ 102 و ] العدل والإحسان اللذين أتى فيهما آي القرآن ، وتضمنتهما شرائع الإيمان ، من الثواب العظيم ، والنعيم المقيم . وبعد ، فما عذر من ساعدته الأيام ، وساعفته الأحكام ، حتى لانت له أكنافها ، ودرّت عليه أخلافها [ 1 ] ، وهو يعلم ألا يرضع إلا ليفطم ، ولا يوصل إلا ليصرم ، أن يدع أيام ملكه المهتبلة ، وفرص عزّه المنتهزة ، مهملة غير معقولة ، ومرسلة غير مشكولة بالإحسان والبرّ ، وإعقالا لا رسوم لها من المكارم ، وبهما لا أوضاح عليها من المحاسن والمحامد ، ولو جاز أن استبضع التمر إلى هجر [ 2 ] ، وأعرض الحكمة على بقراط [ 3 ] ، لأثبتّ قسطا من أحكام العرب في ذلك ، لكن متى فتحنا هذا الباب ، خرجنا إلى مجال رحب . والجملة ، أن الملوك الراشدين ، والوزراء الصالحين ، حين أعجزهم الخلود في الدنيا ، جعلوا باقي الذكر الجميل بعدهم كالخلود ، فقالوا : [ الطويل ] وما المال والأيام إلا معارة * فما اسطعت من معروفها فتزوّد

--> [ 1 ] الأخلاف : جمع الخلف ، وهو حلمة الضرع ، وضرع الناقة . [ 2 ] يشير إلى المثل : ( كمستبضع التمر إلى هجر ) ، المثل في مجمع الأمثال 2 / 153 ، المستقصى 2 / 233 ، أمثال أبي عبيد ص 292 ، الكتاب 3 / 244 بلفظ : كجالب التمر إلى هجر ) . [ 3 ] بقراط : أبقراط ، طبيب يوناني يعرف بأبي الطب ، كان كثير الأسفار فكسب خبرة في علمه ، فصل الطب عن الخرافات والغيبيات ، وأقامه على أساس علمي ، فكان له أبلغ الأثر في تقدمه ، عرفه العرب باسم ( بقراط ) ، ونقلوا كتبه إلى العربية وأضافوا إليها شروحا وتفاسير ، وأشهر هؤلاء حنين بن إسحاق ، وعيسى بن يحيى ، وثابت قرة ، وعبد الرحمن بن علي ، توفي أبو قراط سنة 270 ق . م . ( الموسوعة العربية الميسرة 1 / 7 )